الدرس في كتاب الطهارة 35، ألقاها
يتناول المقطع شرح حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يذكر فيه خمس خصائص منحها الله له، ويُفصّل الشرح معنى جعل الأرض مسجدًا وطهورًا. يُبرز أهمية هذه الخصيصة في جواز الصلاة في أي مكان والتيمم بالتراب.
اختلف العلماء في وجوب الترتيب في التيمم بين الوجه واليدين، والراجح عدم وجوبه، كما اختلفوا في حكم النفخ في اليدين بعد ضرب الأرض، والأمر فيه على الإباحة مع أفضلية النفخ اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم.
يتناول المقطع بعض الخصائص التي اختص بها النبي صلى الله عليه وسلم وأمته، مثل جواز التيمم وحل الغنائم والشفاعة العظمى، كما يبين حديث نبوي أن من لم يؤمن به بعد علمه سيكون من أصحاب النار.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه. ومن وآله، طيب نكمل بعض المسائل التي قد مرت معنا في الدرس السابق. طيب، هذه المسألة ماذا كان في الدرس السابق؟ مسألة: هل يجب الترتيب في التيمم؟ هل يجب الترتيب في التيمم؟ في خلاف بين العلماء. فالمنصوص عن إمام أحمد، وهو مذهب الشافعي وغيره، أنه يجب الترتيب في التيمم كما يجب في الوضوء، فيمسح وجهه أولًا ثم يمسح كفيه. فيمسح وجهه أولًا ثم يمسح كفيه. وذهب بعض أهل العلم، وهو قول طائفة من الحنابلة، إلى أنه لا يجب الترتيب في التيمم، إلى أنه لا يجب الترتيب في التيمم، أو في التيمم. وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وكذا العلامة العثيمين، وهو الصواب. طيب، وهو الراجح، وذلك لأن الآية، الواو فيها لا يدل على الترتيب. الواو في الآية لا يدل على الترتيب، لأن الواو لا يفيد هذا، لا يفيد الترتيب. يقول: ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾. وكذلك ما جاء في الأحاديث، كذلك القول فيها، وليس في الآية ولا غيرها دليل على اشتراط الترتيب. وقياس التيمم على الوضوء قياس مع وجود الفارق، فهناك فوارق كبيرة بين هذا وهذا. منها أن التيمم عبادة بنيت على التخفيف، بخلاف الوضوء. وكذلك التيمم، فيه أن التيمم يكون لعضوين، للوجه واليدين، بخلاف الوضوء لأربعة أعضاء. وأيضًا في اليدين للكفين فقط دون الذراعين، بخلاف الوضوء. وفوق هذا وهذا، التيمم الأصل فيها عبادة جئت لماذا؟ للتخفيف. لعبادة التخفيف. ويدل عليه قول الله عز وجل: ﴿ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم﴾. ما يريد الله يجعل عليكم من حرج. فهي عبادة مبنية على ماذا؟ على التخفيف وعلى التيسير. واضح هذا الأمر. فلا يشترط أن يكون أن يبدأ بالوجه أولًا أو اليد. لو أن يبدأ بهذا أو العكس، لو أن يبدأ باليدين بمسح اليدين، ولو أن يبدأ بمسح الوجه ثم اليدين. إما أن يبدأ باليدين ثم الوجه أو العكس. على أن أحاديث كثيرة جاءت فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم ابتدأ بالوجه، فيكون فيه دلالة على أفضلية الابتداء بالوجه، لا على وجوبه. على قدرة بدء المسح بالوجه ثم الكفين، هذا والصحيح. واضح هذا الأمر أم لا؟ فلا يجب، لكن من حيث الأفضلية، يفضل أن يبدأ بمسح الوجه ثم الكفين. مسألة أخرى: حكم النفخ، حكم نفخ الكفين من التراب عند التيمم. النجاة في حديث عمار: «فضرب بيديه الأرض، ثم نفخهما». اختلف أهل العلم في هذا. فذهب طائفة إلى أنه ينفضها، إلى أنه ينفضها، أو ينفخها. كذلك قال الشعبي، وقال مالك: ينفضها نفضًا خفيفًا. وبقول الشعبي، قال أصحاب الرأي. وقال الشافعي: إذا علق بها شيء كثير من الغبار، فلا بأس أن ينفض، إذا بقي في يده غبار يماس الوجه. الشافعي يقول: إذا كان كثيرًا فلا بأس. أما إذا كان قليلًا فلا. وقال أحمد: لا يضره، فعل أم لم يفعل، أي الأمر على الإباحة. قال ابن المنذر رحمه الله، كما قال أحمد. أقول: غير أن النفخ في اليدين أحب إلي؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نفخ فيهما؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نفخ فيهما. واضح هذا الأمر. فالأمر على الإباحة، والأفضل أن ينفخهما اتباعًا لهدي النبي صلى الله عليه وسلم في النفخ. واضح هذا الأمر أم لا؟ يعني من نفخ فلا شيء عليه، ومن لم ينفخ كذلك لا شيء عليه. فالأمر على الإباحة، لكن من فعل ونفخ اقتداءً وتأسيا بالنبي صلى الله عليه وسلم، فهذا أفضل. والله أعلم. طيب، ندخل في حديث جابر. «نعم، جمعة، كفاه نفخ فيهما، ضرب بهما الأرض ثم نفخ فيهما». وجاء في بعض الأحاديث أنه «ضرب بعضها ببعض ثم نفخ فيهما». فهذا أيضًا فيه إشارة إلى أن هذه عبادة مبنية على التيسير، إلى غاية الأمور. طيب، عن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي المغانم، ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة». طيب، عن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنهما. جابر بن عبد الله كان من الصحابة الأجلاء، ويعد من حفاظ الصحابة رضي الله عنه وأرضاه، ومن المكثرين في رواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأبوه عبد الله بن حرام الأنصاري، أحد أصدق الصحابة وأجلتهم، ما تشهيدًا يوم أحد. ما تشهيدًا يوم أحد. رضي الله عنهم وأرضاه. وقال النبي صلى الله عليه وسلم في حق أبيه: «يا جابر، إن ربك أو إن أباك كلمه الله عز وجل كفاحًا». أو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم. أي مباشرة. قوله رضي الله عنه: قوله «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أُعطيت خمسًا لم يُعطهن أحد من الأنبياء قبله». معنى هذا أن هذا الحديث، أو هذه الأشياء الخمسة المذكورة في هذا الحديث، هي من خصائص نبينا صلى الله عليه وسلم، مما امتن به ربنا عز وجل على نبيه، وتفضل به عليه، وأكرم به نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فهي من خصائص التي أُعطيها رسولنا صلى الله عليه وسلم. قوله «لم يُعطهن أحد من الأنبياء قبله»، في هذا دلالة واضحة على أن هذه الأمور خاصة بنبينا صلى الله عليه وسلم. قال رحمه الله تعالى: «نصرت بالرعب مسيرة شهر». ومعنى «نصرت بالرعب مسيرة شهر»: أن الله عز وجل يقذف في قلوب أعدائه ومخالفيه من المشركين ونحوهم الرعب، قبل مسير النبي صلى الله عليه وسلم بنحو ماذا؟ بنحو الشهر. فكما جاء في الحديث: «أن الله عز وجل يقذف في قلوبهم الرعب»، يقذف في قلوبهم الرعب، وبينه وبين نبي صلى الله عليه وسلم نحو شهر. وهذه خصيصة عظيمة من الله عز وجل للنبي صلى الله عليه وسلم؛ إذ أن الرعب لو يصر على القلوب، لا سيما عند القتال، كان من أعظم أسباب الفشل والهزيمة. كان من أعظم أسباب الفشل والهزيمة. في هذا الحديث دلالة على نصر الله عز وجل لرسوله، ومن أسباب النصر أن جعل الرعب في قلوب أعدائه، وهم في المسافة على بعد شهر، وهم في المسافة على بعد شهر منه صلى الله عليه وسلم، بمجرد أن يسمعوا بخروج النبي صلى الله عليه وسلم، ينقدف الرعب في قلوبهم. وهذه كما سمعتم خصيصة من خصائص نبينا صلى الله عليه وسلم. قال رحمه الله تعالى: «وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا». وهذا كذلك، وهذه خصيصة أخرى، وهي أن الأرض كلها مسجدًا وطهورًا. لذا قال النبي صلى الله عليه وسلم هو أكد لهذا المعنى: «فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل». أي فليصل في أي مكان من الأرض. فليصل في أي مكان من الأرض، ولا يشترط أن يصلي أن لا يصلي إلا في المسجد، أو لا يصلي إلا في بقاع معينة. بل في أي مكان من الأرض، لا سيما إذا كانت طاهرة، ولم تكن ماذا؟ ولم تكن موصوبة. فالمراد بالأرض: الأرض عموم الأرض. فللمصلي أن يصلي حيث شاء؛ لأن الأرض كلها مسجدًا وطهورًا. وقوله «طهورًا»: أي يتطهر به الإنسان. يتطهر به الإنسان، أي يتطهر من هذه الأرض بالتيمم. وهو الشاهد من إيراد الإمام المؤمن، الإمام عبد الغني رحمه الله تعالى لهذا الحديث هاهنا. الشاهد منه في قوله ماذا؟ «وطهورًا». في قوله «وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا». استدل بعض أهل العلم بهذا اللفظ على أن الأرض كلها طهور، بمعنى يصح التيمم بجميع الأرض، بجبالها وحجارها ورمالها وغير ذلك. استدلالًا بعموم هذا الحديث. استدلالًا بعموم هذا الحديث في قوله «وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا». لكن بعض أهل العلم قالوا: قد جاء ما يقيد هذا الإطلاق. قد جاء ما يقيد هذا الإطلاق في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «وجعلت تربتها لنا طهورًا». فقالوا: قيدت أو قيدت الأرض، فدل على أن إطلاق الأرض في حديث جابر مقيد بالحديث الآخر، بأن المراد بالأرض ماذا؟ التربة. فذهبوا إلى أن المراد بالأرض ها هنا التربة. وذهب بعضهم إلى أن هذا من باب ذكر بعض أفراد العام. من باب ذكر بعض أفراد العام، وذكر بعض أفراد العام لا يعني تخصيصًا. فيبقى اللفظ على عمومه، مع دلالة هذا اللفظ على أن من جملة هذا العموم التربة. والمسألة قد تقدم الكلام عليها. المسألة قد تقدم الكلام عليها بمسألة: هل يجوز للإنسان أن يتيمم بغير التراب؟ الجواب قد تقدم الكلام على هذه المسألة بأنه يصح أن يتيمم بالتراب، أو بالرمل، أو بالأرض السبخة، أو ما كان، أو ما علق فيه غبار، أو ما علق فيه غبار من جلود أو ثياب أو جدران أو ما شابه ذلك. وهذه المسألة قد تقدم الكلام عليها. قال رحمه الله تعالى: «فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل». كما سمعتم، فالأرض كلها مسجدًا وطهورًا. فالأرض كلها مسجد وطهورًا لأهل الإسلام. قوله «وأحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي». معنى هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا غزا وغنم في ذلك الغزو، إذا غزا المشركين ونحوهم وغنم من ذلك الغزو، فإن تلك الغنائم تكون حلالًا، أو صارت حلالًا لنبينا صلى الله عليه وسلم ولأمته. لنبينا صلى الله عليه وسلم ولأمته. ولم تحل للأنبياء قبله. بل كان الأنبياء قبل نبينا صلى الله عليه وسلم إذا غزوا وأخذوا أو غنموا من غزواتهم، جمعوا جميع الغنيمة في مكان، ثم ابتعدوا عنه، فتأتي النار فتحرقها. فإن لم تأت النار فتحرقها، يستدل على ذلك بأن في الغنيمة غلول. أن في الغنيمة ماذا؟ غلول. فالشاهد من هذا أن الأنبياء قبل نبينا صلى الله عليه وسلم لم تحل لهم الغنائم. بل كانت تأتي النار فتحرق تلك الغنائم. بخلاف هذه الأمة، فربنا عز وجل يسر لها هذا الأمر، ولطف بها، فجعل لها الغنائم حلالًا. فجعل لها الغنائم التي غنموها في غزواتهم حلالًا طيبًا. بل قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وجعل رزقي تحت ظل رمح». أي أن أكثر أو كثيرًا من رزق رسول الله صلى الله عليه وسلم ناله بالغزوات. ناله بماذا؟ بالغزوات. فهذا من جملة ما أحله الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم ولأمته. وهي كذلك من الخصائص. وقوله «وأعطيت الشفاعة». والمراد بالشفاعة: الشفاعة العظمى التي يمن الله عز وجل، التي منى الله وسيمن الله عز وجل بها على نبيه صلى الله عليه وسلم يوم القيامة، حينما يرجع الأنبياء من آدم، ثم نوح، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى، حتى يأتي الناس إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فيسألونه أن يشفع لهم عند ربهم عز وجل. فيقول: «أنا لها، أنا لها». كما جاءت في ذلك الأحاديث. فيشفع لهم عند ربهم، فيشفع لهم عند ربه عز وجل. وهذا هو المقام المحمود. كما قال ذلك بعض أهل العلم. قال «وكان النبي يبعث إلى قوم خاصة، وبعثت إلى الناس عامة». وهذه كذلك من الخصائص التي اختص بها نبينا صلى الله عليه وسلم؛ بأن الأنبياء كانوا يبعثون إلى أقوام خاصة. أما بعثة نبينا صلى الله عليه وسلم فلجميع الثقلين، لجميع الثقلين الإنس والجن. فكل من وصلهم دعوة محمد صلى الله عليه وسلم من أبيض أو أحمر أو أسود، وجب عليه أن يؤمن به، وأن يتبعه، وأن يأخذ بدينه، ويؤمن به صلى الله عليه وسلم. فإن لم يؤمن به فهو كافر بالله العظيم، وإن كان يعتقد أنه يعتنق بعض الأديان التي هي موجودة في تلك الأزمان أو حتى في زماننا. وقد ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يسمع بي من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم لا يؤمن بي، إلا كان من أصحاب النار». أو كما قال صلى الله عليه وسلم. والله أعلم. سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.