الدرس في الأمثال في القرآن الكريم 13، ألقاها
يشرح المقطع الآية الكريمة من سورة النور التي تصف نور الله في قلب المؤمن بمصباح في زجاجة مضيئة، ويوضح معاني المفردات والدلالات الروحية لهذا المثل. يشبه الله نور المؤمن بنور مصباح في زجاجة متلألئة.
المقطع يوضح الفرق بين المؤمن والكافر من خلال الأمثال القرآنية، حيث المؤمن يستمد نوره من الوحيين ويظهر أثره في قلبه وجوارحه، بينما الكافر أعماله بلا حقيقة مثل السراب. يبين الله تعالى أن أعمال الكافرين مثل السراب الذي يخدع الناظرين.
المقطع يشرح المثل الثاني الذي يصف ظلمات الكفر والمعاصي مثل ظلمات البحر العميق، ويبين أن الكافر يعيش في ظلمات متعددة ولا ينتفع بأعماله. بينما المؤمن يملك النور الذي ينتفع به في حياته وبعد موته ويوم القيامة.
يتضمن المقطع دعاءً إلى الله بأن يملأ قلوبنا وأسماعنا وأبصارنا نورًا، ويجعلنا من أهل الإيمان والتقوى، ويتوفانا وهو راض عنا. كما يتضمن الصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه، معبرًا عن الرغبة في التقرب إلى الله والفوز برضاه.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، يقول الله جل وعلا في كتابه الكريم، كما في سورة النور: ﴿الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم﴾. ثم ذكر الله جل وعلا بعد ذلك مثلين في حال أعمال الكفار، مثلا بالسراب، ومثلا بالظلمات في بحر لجي، قال جل وعلا: ﴿والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور﴾. فضرب الله عز وجل أولا مثلا بالنور في قلب عبده المؤمن: ﴿الله نور السماوات والأرض مثل نوره﴾، أي في قلب عبده المؤمن، كما قال أبي بن كعب رضي الله عنه: ﴿كمشكاة فيها مصباح﴾، المشكاة هي الفتحة أو الكوة التي تكون في داخل البيت. ﴿كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة﴾، المصباح الذي يستضاء به كالفتيلة التي تكون في قنديل من الزيت، ثم تشعل فيظهر منها النور، ويستضيء الناس بنورها. ﴿كمشكاة فيها مصباح﴾، هذا المصباح يستضاء بنوره. ﴿المصباح في زجاجة﴾، يعني مغطى بزجاجة، كنحو الفوانيس القديمة التي تستعمل في الإضاءة. ﴿الزجاجة كأنها كوكب دري﴾، يعني في نقائها وصفائها، كأنها كوكب دري، أي مضيء. ﴿المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة﴾، لا زيتونة شرقية ولا غربية، من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية، يعني يوقد هذا المصباح ويستضاء بحصول هذا النور من زيت شجرة مباركة، وهي شجرة الزيتون. وقوله جل وعلا: ﴿لا شرقية ولا غربية﴾، يعني ليست هي شجرة الزيتون في جهة الشرق، بحيث أن الشمس تصيبها عند المشرق دون المغرب، ولا هي غربية في جهة المغرب، فتصيبها الشمس عند الغروب دون الشروق، بل هي وسط، تصيبها الشمس عند إشراقها، وتصيبها عند غروبها، وهذا من أنفع ما يكون لشجرة الزيتون. ثم قال الله جل وعلا: ﴿يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار﴾، يعني من نقائها وصفائها، فكاد أن يضيء وأن يظهر منها النور من غير أن يصيبها هذا الزيت. وهذا مثل ضربه الله جل وعلا في قلب عبده المؤمن، في وجود الإيمان والنور والهدى والتوحيد في قلبه، فيستضيء قلبه نورا وإيمانا، ويظهر أثر هذا النور في جوارحه، في أقواله وأعماله، وهو يستمد هذا النور من نور الوحيين، الكتاب والسنة، الذي بهما حياة القلوب، وكذلك أيضا حصول الهدى والنور بهما، كما أخبر الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا﴾. فسمى الله عز وجل الوحي الذي أنزله على رسوله عليه الصلاة والسلام نورا، لأنه به تستضيء القلوب، وتحيا هذه القلوب، ويظهر أثر هذا النور في القلب، فيظهر في الجوارح، في الأقوال والأعمال والأفعال. وقوله جل وعلا: ﴿نور على نور﴾، أي أن المؤمن يسير على نور، فهو يستمد من نور الوحيين، فيستنير قلبه، وتستنير جوارحه، فأعماله نور، وقلبه نور، وأفعاله نور، فهو نور على نور. ﴿يهدي الله لنوره من يشاء﴾، الله عز وجل يهدي لهذا النور وهذا الهدى من شاء من عباده. وكما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، كما في مسند الإمام أحمد، من حديث عبد الله بن عمر: «إن الله عز وجل خلق الخلق في ظلمة، ثم قذف عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ظل». فالنور من الله جل وعلا يهديه جل وعلا لمن شاء من عباده. ثم ضرب الله عز وجل المثلين الآخرين في أعمال الكفار، وأن أعمالهم في المثل الأول كالسراب: ﴿أو الذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة﴾، السراب الذي يخيل إلى الناظر من بعيد أنه ماء في الأرض القيعاء التي ليس فيها بناء ولا شجر، الأرض القاحلة، فيرى من بعيد كأنه يرى ماء، ليس له أثر ولا حقيقة. ﴿كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء﴾، العطشان الذي يبحث عن الماء، إذا رآه ظنه أنه ماء، فهرول وأسرع إليه، حتى إذا جاءه لم يجده شيئا. ﴿ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب﴾. معنى هذا المثل أن الكافر يظن أنه على شيء، يظن أنه على شيء، فأعماله كالسراب الذي يراه الناظر من بعيد، ويظن أنه شيء، فإذا جاءه لم يجده شيئا. وهكذا الكافر، حال قلبه كالأرض القاحلة التي لا بناء فيها ولا شجر، فيظن أنه سيجد أثر هذه الأعمال، فإذا جاء يوم القيامة، وهو في أشد الحاجة إلى أعماله وإلى ما ينفعه، فلا يجد لها أثرا، ولا يجد لها نفعا. ﴿ووجد الله عنده فوفاه حسابه﴾، وجازاه على أعماله. ﴿والله سريع الحساب﴾. وهكذا المثل الثاني في بيان أعمال الكفار وعدم نفعها: ﴿أو كظلمات في بحر لجي﴾، أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج، من فوقه سحاب، ظلمات متعددة في بحر لجي، أي لا ساحل له. ﴿يغشاه موج من فوقه موج﴾، فهو ظلمات، ظلمة فوق ظلمة، موج فوق موج، وفوق هذه الظلمات السحاب. ﴿ظلمات بعضها فوق بعض﴾، وهكذا حال الكافر، ظلمة الكفر، وظلمة النفاق، وظلمة الذنوب والمعاصي، والعناد والإعراض، والجهل، إلى آخر ذلك من أنواع الظلمات، بعضها فوق بعض، حتى أنه يكاد أن يخرج يده فلا يكاد يراها، من شدة الظلمة. وهكذا أيضا من شدة ظلمة هذا الكافر في أعماله السيئة، فإنه لا ينتفع بشيء منها. ﴿إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور﴾، أي الذي سلبه الله عز وجل النور، فلم يجعل له نورا، فمن يأتيه بالنور؟ ومن يعطيه النور إذا كان خالق النور جل وعلا قد منعه إياه؟ فلا يجد النور إلا من آمن بالله جل وعلا، ووحد الله سبحانه وتعالى، وكذلك أخذ من هذا النور ممن خلقه وأوجده، وهو الله سبحانه وتعالى، وذلك لا يتأتى إلا بالإيمان بالله سبحانه وتعالى. فإن النور يكون لأهل الإيمان والهدى والتقى، يبقى معهم النور في حياتهم، وهكذا أيضا فيما بعد الموت، إذا ماتوا ودفنوا في قبورهم، كانت قبورهم رياضا من رياض الجنة، منورة على أصحابها، بسبب ما في قلوبهم من النور والإيمان والهدى. وإذا بعثوا يوم القيامة، بعثوا على نور، واستضاءوا بهذا النور عند مرورهم على الصراط، كما أخبر ربنا جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم﴾. أما أهل النفاق، فيذهب عنهم النور، وينطفئ، ويبقون في ظلمات يتخبطون، يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا: «انظرونا نقتبس من نوركم»، أي انتظروا حتى نستضيء بأنواركم. ﴿قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب ينادون ألم نكن معكم قالوا بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله وغركم بالله الغرور﴾. فالمؤمن ينتفع بهذا النور، كما سمعنا، في حياته، وبعد موته، ويوم القيامة، حتى يدخله الله جل وعلا الجنة، بخلاف الكافر والمنافق، فإنه يعيش في هذه الدنيا في ظلمات الكفر والجهل والكبر والعناد، ثم يموت على ظلمة، ويبعث على ظلمة، ويكون مصيره -عياذا بالله- إلى النار والجحيم. فنسأل الله جل وعلا أن يجعلنا وإياكم من أهل الإيمان والتقوى، ونسأله جل وعلا أن يملأ قلوبنا نورا، وأسماعنا، وأبصارنا، وسائر جوارحنا، أن يجعلها جل وعلا على نور، وأن يتوفانا جل وعلا وهو راض عنا. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين.