الدرس في منظومة السير إلى الله والدار الآخرة 14، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
الرعاية في الإيمان تعني محاسبة النفس وإتقان العمل قبل وأثناء وبعد أدائه مع صيانته عن المفسدات كالرياء والسمعة. حفظ العمل الصالح أعظم من مجرد أدائه، وإرادة الدنيا أو المن بالعمل تحبط الأجر.
إفساد العمل الصالح بالمن والأذى والتهاون في الصلاة والغيبة يبطل ثوابه، بينما حفظه يضمن بقاءه ويزيد الإيمان. النبي صلى الله عليه وسلم حذر من المفلس الذي تذهب حسناته في مظالم العباد.
مراعاة العمل تشمل أداؤه بمراقبة الله (الإحسان)، والإخلاص، وشكر الله على التوفيق، والجمع بين الخوف من رد العمل والرجاء في قبوله. ابن القيم يؤكد أن الرعاية الحقيقية تكون بحفظ العلم بالعمل، وحفظ العمل بالإخلاص، وحفظ الحال بالاستمرار والمداومة.
على السائر إلى الله مراجعة أحواله والتفكر في نقص أعماله والسعي للمحافظة عليها بالإحسان والإخلاص وتجنب المفسدات. يختم الدرس بالدعاء بالتوفيق والصلاة على النبي.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: قال العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى في منظومته «السير إلى الله والدار الآخرة»: «قال بالله دعوات الخلائق كلها خوفاً على الإيمان من نقصاني». قال: هذه منزلة الرعاية، هذه منزلة الرعاية لحقائق الإيمان ومشاهد الإحسان، وذلك أن العبد لا ينبغي له أن يعرض عن تدبر أحواله والتفكر في نقص أعماله. هذه هي منزلة الرعاية. ومعنى الرعاية كما ذكر رحمه الله: أن المسلم يتفقد أحواله ويتدبر كذلك أفعاله، وذلك بالمحاسبة لنفسه: هل بدر منه شيء من التقصير؟ هل أدى ما أوجب الله عز وجل عليه؟ هل عمل الأعمال التي ترضي الله سبحانه وتعالى؟ فيراعي عمله ويتعاهد عمله. ولذلك قال: «بل يبذل جهده قبل العمل وفي نفس العمل وتصحيحه وتحسينه، ثم يصونه من المفسدات وينزهه عن المنغصات، فإن حفظ العمل أعظم من العمل». وهذا زيادة بيان منه رحمه الله في معنى الرعاية. فمن الرعاية أن يبذل جهده قبل العمل، وذلك بأن يجاهد نفسه على أداء هذا العمل، وهكذا يأتي بهذا العمل على أكمل وجه من الإتيان بشروطه وأركانه وأسباب قبوله وأسباب قبوله. ولذلك قال: «وتصحيحه وتحسينه»، يعني أن يأتي بهذا العمل على أكمل وجه، ولا يقتصر الأمر على أن تقوم بهذا العمل فحسب، بل كذلك تصون هذا العمل من المفسدات ومن المنغصات. فلذلك قال: «فإن حفظ العمل أعظم من العمل». فالأعمال الصالحة تحتاج إلى حفظ ورعاية حتى لا تحبط وتفسد وتفسد. ولذلك يقول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ ﴾، ويقول سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ ﴾. جاء في صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال عن هذه الآية: «هذا مثل ضربه الله في عمل»، فقيل له: أي عمل يا ابن عباس؟ قال: «عمل رجل كان يعمل الطاعات فأحرق الشيطان عليه عمله، فأحرق الشيطان عليه عمله». فإذن دل ذلك على أن الأعمال تحتاج إلى رعاية، وتحتاج إلى محافظة، وتحتاج إلى محافظة، فتصونها من المحبطات ومن المفسدات. ومن تلك المفسدات: إرادة العبد الدنيا من رياء أو سمعة أو مال أو جاه أو إلى غير ذلك. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُخْسَرُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾. فإذن من عمل العمل ويريد بهذا العمل الدنيا فإن هذا العمل يرد عليه، كما جاء في الحديث القدسي: قال الله عز وجل: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك»، الحديث في صحيح مسلم: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه، تركته وشركه». فإذا احرص أخي المسلم على الإخلاص في الأعمال الصالحة، احرص على الإخلاص، وهذا من الرعاية، وهذا من رعاية العمل بعد القيام به. وهكذا من المحبطات: المن في الأعمال الصالحة، وهكذا الأذى فيها: فعلت وفعلت، وقدمت لك وقدمت، تمن بهذه الأعمال وتفخر على غيرك وتتكبر، فهذه من أسباب كذلك حبوط الأعمال. قال الله عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى ﴾، بالمن والأذى. فإذا حفظتم هذه الأعمال: إذا عملت عملاً لا تمن على من أحسنت إليه، ولا تفخر بهذه الأعمال على غيرك، ولا تعجب من هذه الأعمال وتتكبر وتحتقر غيرك، وإنما تتواضع لله سبحانه وتعالى. وكذلك احذر من مفسد آخر، ألا وهو التهاون في أمر الصلاة. التهاون في أمر الصلاة: كثير من الناس بهذا الشهر يحرص على الصلاة وعلى أدائها في وقتها ومع جماعة المسلمين، فإذا خرج رمضان ترك ذلكم الاهتمام، فأصبح مقصراً وأصبح مفرطاً وتاركاً للصلاة، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فيفسد اجتهاده ويفسد كذلك عمله الذي عمله في هذا الشهر. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح البخاري: «من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله». فرض واحد من تركه متعمداً من غير عذر شرعي فقد حبط عمله. ولذلك جاءت رواية خارج الصحيح قال عليه الصلاة والسلام: «من ترك صلاة العصر متعمداً فقد حبط عمله، فقد حبط عمله». فهذا فرض واحد، فكيف بمن يترك الفروض الكثيرة؟ فلا شك أنه قد أضاع أعماله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. إذن لابد من مراعاة العمل، لابد من مراعاة العمل. احذر كذلك من الألفاظ السيئة المحبطة للأعمال كالتألي على الله، التألي على الله: تقول لا يغفر الله لفلان، أو لا يقبل الله توبة فلان، أو مهما عمل فلان فإنه لا تغفر ذنوبه، أو إلى غير ذلك. فقد جاء في صحيح مسلم أن رجلاً قال: «والله لا يغفر الله لفلان»، أن رجلاً قال: «والله لا يغفر الله لفلان»، فقال الله عز وجل: «من ذا الذي يتألى علي ألا أغفر لفلان؟ فقد غفرت له وأحبطت عملك، فقد غفرت له وأحبطت عملك». فاحرص على انتقاء الكلمات الطيبة، واحذر من الكلمات البذيئة، فرب كلمة واحدة والعياذ بالله تلقي بصاحبها في نار جهنم من سخط الله سبحانه وتعالى. فإذن هذا هو باب الرعاية: احفظ عملك كذلك من المفسدات. الكلام في أعراض الناس من غيبة أو نميمة أو سب أو شتم، فهذا مهما عمل من أعمال فإن هؤلاء الذين تكلم عليهم واغتابهم يأخذون أعمالهم، يأخذون أعمالهم، كما قال عليه الصلاة والسلام: «أتدرون من المفلس؟» قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. قال: «المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وصدقة، أعمال جليلة عملها في هذه الدنيا، لكنه قد شتم هذا، وضرب هذا، وأخذ مال هذا، فيأخذ هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإذا فنيت حسناته أخذت من سيئاتهم فطرحت عليهم». انظروا إلى خطورة ظلم الناس سواء كان بالقول أو الفعل. فإذا احفظ عملك، احفظ عملك بالبعد عن كل ما يفسدها. فهذا هو، فهذه هي منزلة الرعاية. ولذلك قال هنا: «بل يبذل جهده قبل العمل وفي نفس العمل وتصحيحه وتحسينه، ثم يصونه من المفسدات وينزهه عن المنغصات، فإن حفظ العمل أعظم من العمل». لماذا أعظم من العمل؟ لأنك إن عملت ثم أفسدت هذه الأعمال فما الفائدة من العمل الذي عملته؟ لا فائدة. لكن لو عملت العمل وحفظته فهذا الحفظ أعظم من العمل، إذ أن العمل يبقى لك، العمل يبقى لك. قال: فكلما ازداد العبد رعاية لعمله واجتهاداً فيه ازداد إيمانه، وكلما نقص من ذلك نقص من إيمانه بحسبه. فإذن الرعاية من أسباب زيادة الإيمان، لماذا؟ لأن العمل يبقى، ومعتقد أهل السنة والجماعة أن الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي، فإذا بقيت لك هذه الطاعات فهذا دليل على زيادة إيمانك، فكلما كنت مراعياً لتلك الأعمال كلما ازداد إيمانك. قال: ومن أعظم ما ينبغي مراعاته في العمل مشهد الإحسان، وهو الحرص على إيقاع العبادة بحضور قلب وجمعيته على الله، وفيه يدخل الصدق والإخلاص. فمشهد الإحسان بمعنى مراقبة الله سبحانه وتعالى في العمل، فإذا راقب العبد ربه كما تقدم في منزلة المراقبة أو الإحسان، كلما راقب العبد ربه كلما أخلص في عمله وصدق في عمله. فأيضاً يحرص المسلم على أن يراعي أعماله بالإخلاص، فإن الشرك سبب لحبوطها كما سمعت في الحديث: «تركته وشركه، تركته وشركه»، لأنه لم يخلص لله سبحانه وتعالى في عمله. قال: وكذلك مراعاة منة الله على العبد وأنه ينبغي له أن يشكر الله على توفيقه لذلك العمل أعظم شكر. هذا كذلك من مراعاة الأعمال: مراعاة منة الله على العبد، فما وفقت إليه من أعمال صالحة إنما هو محض توفيق من الله ومنه منه سبحانه وتعالى، لا بقوتك ولا بحولك ولا بذكائك ولا كذلك حرصك، وإنما هو منة من الله سبحانه وتعالى، فتزداد شكراً لله عز وجل، فهذه من المراعاة. قال: وكذلك مراعاة الخوف والرجاء، يخاف من ردها بعجب أو رياء أو تكبر بها أو عدم قيام بحقها أو غير ذلك. وهذا كذلك مما ينبغي أن يعتني به العامل والسائر إلى الله: مراعاة الخوف والرجاء، فدائماً يكونوا بين هذين الأمرين كما تقدم معنا، يخاف أن ترد عليه هذه الأعمال، ولا يغتر بكثرة عمل أو بكثرة كذلك نفع أو إلى غير ذلك، لا يغتر بل يخاف أن ترد عليه هذه الأعمال فيجاهد نفسه على الإخلاص والبعد عن الرياء والتكبر. قال: ويرجو قبولاً برحمة ربه ومنه وإحسانه إليه الذي من جملته توفيقه لها، فتوفيق العبد إلى الأعمال الصالحة إنما هو من الله، إنما هو من الله، فتزداد شكراً لله سبحانه وتعالى، وهذا أيضاً من رعاية الأعمال، من رعاية الأعمال. يقول ابن القيم عليه رحمة الله كما في مدارج السالكين عن هذه المنزلة، منزلة الرعاية: يقول: «هي مراعاة العلم وحفظه بالعمل، كما أن العمل تحفظه وترعاه من أن يدخل عليه مفسد من مفسدات الأعمال، فكذلك العلم: كيف تراعي العلم؟ بالعمل به، بالعمل به، فإن العمل ثمرة العلم، فعلم بلا عمل لا ينفع صاحبه أبداً، لا ينفع صاحبه. فمن مراعاة العمل: العمل، العمل بالعلم، العمل بالعلم». ولذلك قال: «هي مراعاة العلم وحفظه بالعمل»، أي تحرص على تحصيل العلم النافع وترعى هذا التحصيل بالعمل. قال: «ومراعاة العمل بالإحسان والإخلاص وحفظه من المفسدات». علم وعمل وحفظ لهذا العمل. كيف يكون الحفظ بهذا العمل؟ في الإحسان في العبادة بالإخلاص، فإن الشرك كما تقدم من مفسدات الأعمال، وحفظه من المفسدات يعني المحبطات كما تقدم. قال: «ومراعاة الحال بالموافقة وحفظه بقطع التفريط»، فالرعاية صيانة وحفظ، وحفظ يعني يريد بهذا أنك تحافظ على هذا العمل بالاستمرار وعدم الانقطاع، وعدم الانقطاع، فلا تعمل فترة ثم تترك. وإذن كان أحب الأعمال إلى الله عز وجل أدومها وإن قل، أدومها وإن قل. فقليل من العمل مع صدق وإخلاص ومراقبة وحفظ لهذا العمل واستمرار، خير من العمل الكثير الذي قد فقد شيئاً من ذلك: إما الإخلاص، وإما كذلك الحفظ، وإما الانقطاع عن هذا العمل. فإذن هذه منزلة الرعاية ينبغي للسائر إلى الله عز وجل أن يتفقد أحواله وأن يتفكر في نقص أعماله، وأن يحرص على المحافظة على هذه الأعمال بالإحسان والإخلاص والبعد عن كل ما ينقصها أو يفسدها. أسأل الله بمنه وكرمه أن يوفقنا جميعاً لما يحب ويرضى، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. شكراً، شكراً.