الدرس في تفسير سورة العلق، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستعرض المقطع تفسير السعدي لسورة العلق بوصفها أول ما نزل من القرآن، مبيناً دلالات خلق الإنسان من علق والأمر بالقراءة والتعلم بالقلم. كما يبرز نعمة العلم والكتابة وتحذير الإنسان من الطغيان عند استغنائه عن ربه.
يوضح المقطع سبب نزول أوائل السورة في تهديد أبي جهل للنبي صلى الله عليه وسلم أثناء صلاته وكيف حمته الملائكة. ويفسر آيات الطغيان مبيناً أن الهدى الحقيقي هو العلم النافع المقترن بالعمل الصالح، وأن النهي عن الصلاة محادة لله ومحاربة للحق.
يبيّن المقطع أن آيات النهي عن الصلاة تشمل كل من نهى عن الخير واعتدى على أهله مع توعد الله بالعذاب الشديد للناهي إن لم يتب. ويؤكد الأمر النبوي بعدم طاعة الناهي والسجود والتقرب إلى الله، مبشراً بأن التوبة تمحو ما قبلها ومذكراً بالزبانية الذين يأخذون المعتدين.
الحمد لله وصلاة السلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ونولاه وبعد قال المفسر عبد الرحمن عبد الناصم السعدي رحمه الله تعالى تفسير سورة اقرأ وهي مكية قال بسم الله الرحمن الرحيم اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ ربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم كلا إن الإنسان ليطغى الرآه استغنى إن إلى ربك الرجع رأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى أرأيت إن كان على الهدى وأمر بالتقوى أرأيت إن كذب وتولى ألم يعلم بأن الله يرى كلا لإن لم ينتهي لنسفعا بالناصية ناصية كاذبة خاطئة فليدعو نادي سندعو الزبانية كلا لا تطعه وسجد واقترب قال هذه السورة أول سور القرآنية نزولا على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهذا هو قول جمهور أهل العلم أن أول ما نزل من القرآن هذه الآيات وأما سورة المدثر فقد نزلت بعد هذه الآيات وبعد أن فتر الوحي قال فإنها نزلت عليه في مبادئ النبوة إذ كان لا يدري ما الكتاب ولا الإيمان فجاءه جبريل عليه السلام بالرسالة وأمره أن يقرأ فامتنع وقال ما أنا بقارئ فلم يزل به حتى قرأ فأنزل الله عليه اقرأ باسم ربك الذي خلق أي عموم الخلق ثم خص الإنسان وذكر ابتداء خلقه قال من علق وعلق هو جمع علقة وهو القطعة من اللحم قطعة صغيرة من اللحم تكون بعد النطفة تكون بعد النطفة فهذا فيه ذكر ابتداء خلق الإنسان أنه خلق أول ما خلق من نطفة ثم من علقة وعلق جمع علقة قال فالذي خلق الإنسان واعتنى بتدبيره لا بد أن يدبره بالأمر والنهي وذلك بإرسال الرسول إليهم وإنزال الكتب عليهم ولهذا ذكر بعد الأمر بالقراءة خلقه للإنسان فالإنسان لم يخلق سدى وعبثا إنما خلق ليؤمر وينهى فلذلك أرسل الله إليه الرسل وأنزل إليهم الكتب قال ثم قال اقرأ ربك الأكرم أي كثير الصفات واسعها كثير الكرم والإحسان واسع الجود الذي من كرمه أن علم بالعلم وعلم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم فإنه تعالى أخرجه من بطن أمه لا يعلم شيئا وجعل له السمع والبصر والفؤاد ويسر له أسباب العلم وهذا من نعم الله عز وجل على الإنسان أن جعل له أشياء بها يأخذ العلم بها يأخذ العلم ووسائل تسهل له أخذ العلم من السمع والبصر والفؤاد وإسر له أسباب العلم من وجود الكتب والكتابة وكذلك يعني الحفظ وإلى غير ذلك أطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة فهذه الآيات تذكير بنعم الله عز وجل على الإنسان أنه علم بالقلم وعلم الإنسان ما لم يعلم قال فعلمه القرآن وعلمه الحكمة وعلمه بالقلم الذي به تحفظ العلوم وتضبط الحقوق وهذا فيه الحث على تعلم الكتابة على تعلم الكتابة والقراءة فالإنسان لا يستطيع أن يحفظ العلم وأن كذلك يأخذ العلم إلا إذا كتب وقرأ إلا إذا كتب وقرأ وهذا يكون بتعلم الكتابة والقراءة فإنه من أعظم وسائل أخذ العلم من أعظم وسائل أخذ العلم فلذلك قال وعلمه بالقلم الذي به تحفظ العلوم وتضبط الحقوق وتكون رسلا للناس تنوب مناب خطابهم قال قال فلله الحمد والمنة ثم قال الذي أنعم على عباده بهذه النعمة التي لا يقدرون لها على جزاء ولا شكور ثم من عليهم بالغنى وسعة الرزق ولكن الإنسان لجهله وظلمه إذا رأى نفسه غنيا طغى وبغى وهذا في قوله كلا إن الإنسان ليطغى وهذه الآية كلا إن الإنسان ليطغى وما بعدها جاء فيها سبب نزول جاء فيها سبب نزول وأنها نزلت في أبي جهل لما جاء وقال هل يعفر محمد وجهه أو هل يضع محمد وجهه يعني يسجد ويصلي في مكة في الكعبة فقيل له نعم فقال لئن رأيته يفعل ذلك لو عفرنا وجهه بالتراب ولأطأنا على رقبته فجاء النبي صلى الله عليه وسلم يصلي فأراد أن يفعل ذلك فإذا به يرجع القهقر ويتقي بيديه ويتقي بيديه فقيل له ما لك فقال إن بيني وبينه لخندقا من نار وأهوالا وأجنحة وأهوالا وأجنحة فقال النبي صلى الله عليه وعلى عليه وسلم لو دنى مني لاختطفته الملائكة عضوا عضوا فأنزل الله كلا إن الإنسان ليطغى الرآه استغنى إلى آخر الآيات إلى آخر الآيات فقوله قول المفسر الذي أنعم العباده بهذه النعم لا يقدرون لها على جزا ولا شكور ثم منع عليهم بالغنى وسعة الرزق ولكن الإنسان لجهله وظلمه إذا رأى نفسه غنيا طغى وبغى وتجبر عن الهدى ونسي أن إلى ربه الرجعة لأنه قول الله عز وجل إن إلى ربك الرجعة فإذا آمن العبد أنه سيرجع إلى الله وأنه سيحاسب على ما عمل في هذه الدنيا فإنه يتقي ربه سبحانه وتعالى فيما أعطاه فيما أعطاه من المال ومن غيرها من النعم فيؤدي حق الله عز وجل في هذا المال ولا يطغى ويتكبر وهكذا يستخدم هذا الغنى في محاربة دين الله وفي محاربة شرع الله سبحانه وتعالى بل يستخدم هذا الغنى في مرضات الله في النفقات الواجبة والنفقات المستحبة وفي الإحسان إلى الخلق وإلى غير ذلك إن إلى ربك الرجعة أي أن كل إنسان سيرجع إلى ربه قال بل ربما وصلت به الحال أنه يترك الهدى بنفسه ويدعو غيره إلى تركه فينهى عن الصلاة التي هي أفضل الأعمال وهو قول الله عز وجل أرأيت الذي ينهى عبدا ينهى عبدا لماذا ينهى عن ماذا ينهى إذا صلى ما يريده أن يصلي وأن يسجد لله عز وجل لأنه قال لئن رأيته لو عفرن وجه بالتراب ولأطأن على رقبته فقال الله عز وجل أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى فهو لا يعمل الخير ولا يأتي الخير بل ويدعو غيره إلى ترك الخير ويدعو غيره إلى ترك الهدى وترك الخير قال فينهى عن الصلاة التي هي أفضل أعمال الإيمان فالصلاة من أفضل الأعمال البدنية من أفضل أعمال الإيمان الصلاة قال يقول الله لهذا المتمرد العاتي أرأيت أيها الناهي للعبد إذا صلى إن كان العبد المصلي على الهدى قال العلم بالحق والعمل به فالهدى المراد به العلم وليس العلم المجرد عن العمل بل العلم مع العمل وإذا اقترن الهدى بدين الحق فيراد بالهدى العلم وبدين الحق العمل به هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق يعني بالعلم والعمل بالعلم النافع والعمل الصالح وهنا أفرد الهدى فأريد به العلم والعمل فقول الله عز وجل أرأيت إن كان على الهدى أي على العلم بالحق والعمل به أو أمر أي غيره بالتقوى هذا المصلي وهو النبي عليه الصلاة والسلام على الهدى أوحي إليه وأرسل إليه وهكذا كان يأمر بالتقوى ومن أعظم خصال التقوى الصلاة قال فهل يحسن أن ينهى من هذا وصفه أليس نهيه من أعظم المحادة لله والمحاربة للحق فإن النهي لا يتوجه إلا لمن هو في نفسه على غير الهدى أو كان يأمر غيره بخلاف التقوى أما الإنسان الذي هو على التقوى وعلى الهدى وعلى الخير فهذا يعان ولا ينهى ولا يحارب ولا يعاد فهذا معنى قول الله عز وجل أرأيت إن كان على الهدى وأمر بالتقوى أرأيت إن كذب وتولى إلى آخر الآية قال أرأيت إن كذب أي الناهي بالحق وهو أبو جهل والآية عامة لأن العلماء يقولون العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فوإن نزلت في أبي جهل فتشمل كل من نهى عن الخير وحارب أهل الخير وحارب أهل التقى وهكذا من كان على الخير فإنه ينهى عن فعل ذلك الخير فالآية عامة أرأيت إن كذب أي الناهي بالحق وتولى أي عن الأمر قال أما يخاف الله ويخشى عقابه لأن الله عز وجل قال ألم يعلم بأن الله يرى فالله سبحانه وتعالى يراه ويعلم عمله ويجازيه بما يعمل قال ألم يعلم بأن الله يرى أي ما يعمل ويفعل ثم توعده إن استمر على حاله فقال كلا لإن لم ينتهي يعني قال عما يقول ويفعل وهذا فيه دعوة إلى التوبة انظر إلى رحمة الله سبحانه وتعالى هذا العاتي الناهي للعبد الذي صلى فعل هذا الفعل الشنيع ومع هذا يقول له ربه كلا لإن لم ينتهي فإذا انتهى فلم يكن له ذلك الوعد وتاب وأناب ورجع فالتوبة تجب ما قبلها فقول الله عز وجل كلا لإن لم ينتهي أي عما يقول ويفعل لنسفعا بالناصية أي لنأخذن بناصيته والناصية هي مقدم الرأس هذه تسمى الناصية لأنها في مقدمة الرأس قال أي لنأخذن بناصيته أخذا عنيفا وهي حقيقة بذلك يعني تستحق هذا الأخذ لماذا؟ قال فإنها ناصية كاذبة خاطئة أي كاذبة في قولها خاطئة في فعلها لأن أنهي بالقول عن الصلاة هذا ظلم وكذب وهكذا فعله في تعفير وجه النبي عليه الصلاة والسلام في التراب وأن يطى على رقبته هذا أيضا فعل خاطئ وفيه من الظلم والاعتداء فهذه الناصية كاذبة في قولها خاطئة في فعلها قال فليدعو أي هذا الذي حق عليه العقاب ناديه أي أهل مجلسه وأصحابه ومن حوله ليعينوه على ما نزل به أي فإنه مهما دعا من أصحابه ومن جلسائه لأن العرب كانت لهم نوادي يجتمعون فيها ويجلسون فيها ويتحدثون فيها فربنا سبحانه وتعالى توعد هذا العاتي الظالم المعتدي لأن لم ينتهي لا يأخذه وينزل به العذاب ولا ينفعه أصحابه ومن يجتمع معهم وإن كانوا كثيرين وإن كانوا كثيرين فلا مفر من عقاب الله سبحانه وتعالى فليدعو ناديه أي أهل مجلسه وأصحابه ومن حوله ليعينوه على ما نزل به قال سندعو الزبانية أي خزنة جهنم أي الملائكة إذا هو دعا أصحابه فالعقاب سيكون من قبل الملائكة وهذا فيه تفسير قول النبي صلى الله عليه وسلم لو دنى مني لاختطفته الملائكة عضوا عضوا عضوا عضوا فالزبانية المراد بهم خزنة جهنم من الملائكة أي لأخذه وعقوبته أو لأ نعم أي خزنة جهنم لأخذه وعقوبته أي أخذوه وعاقبوه قال فلينظر أي الفريقين أقوى وأقدر فهذه حالة الناهي وما توعد به من العقوبة وأما حالة المنهي وهو النبي صلى الله عليه وعلى الله وسلم فأمره الله أن لا يصغي إلى هذا الناهي ولا ينقاد لنهيه فقال كلا لا تطعه لا تطعه في هذا العتو وهذا الاعتداء والظلم كلا لا تطعه أي فإنه لا يأمر إلا بما فيه خسارة الدارين والسجد أي لربك واقترب أي منه في السجود ولذلك جاء في الحديث أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا من الدعاء واقترب منه أي في السجود وغيره من أنواع الطاعات والقربات فإنها كلها تدني من رضاه وتقرب منه قال وهذا عام لكل ناه عن الخير ومنهي عنه وإن كانت نازلة في شأن أبي جهل كما تقدم حين نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة وعبت به وآذاه تمت ولله الحمد إلى هنا والله تعالى أعلم