شرح القواعد المثلى 36

الدرس في شرح القواعد المثلى 36، ألقاها

قواعد أهل السنة في التكفير

يتناول الدرس قاعدة أهل السنة والجماعة في التكفير، مبنية على دليل من الكتاب أو السنة وانطباق الحكم على الشخص المعين. يشمل الشروط العلم والبلوغ والعقل والقصد، والموانع مثل الجهل والإكراه.

شروط تكفير المعين

استثنى الله المكره من الكفر إذا توفرت شروط معينة، مثل الإكراه المعتبر واطمئنان القلب بالإيمان. من توفرت فيه هذه الشروط لم يكفر، بينما من اختل فيها شرط كفر بالله.

التمييز بين القول والقائل

يشرح الدرس أهمية التمييز بين القول أو الفعل وبين قائله أو فاعله عند الحكم بالكفر أو الفسق، ويؤكد على اتباع الكتاب والسنة واللجوء إلى الله تعالى لطلب الهداية.

وفاة الشيخ العثيمين

توفي الشيخ محمد بن صالح العثيمين في يوم الخامس عشر من شهر شوال سنة 1404 هجريا، مما يمثل نهاية حياة عالم كبير.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، فقد تقدم معنا في الدرس السابق أن مسألة التكفير والتفسيق من الأحكام الشرعية التي مردها إلى الله عز وجل ومردها إلى رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وأنه لا يجوز لأحد أن يقدم على هذه المسألة لما يترتب عليها من أمور عظيمة وأمور خطيرة. وقد أشار الشيخ رحمه الله تعالى إلى هذا المعنى بالأحاديث التي جاءت بالتحذير والتنفير من تكفير المسلم بغير الحق أو بمجرد الظلم. ذكر الشيخ رحمه الله تعالى قاعدة أهل السنة والجماعة في مسألة التكفير، أنها مبنية على أصلين: الأول أن ينطبق أو أن يدل الدليل من كتاب الله عز وجل أو من سنة رسوله صلى الله عليه وسلم على الكفر، على أن ذلك العمل أو ذلك القول أو ذلك الاعتقاد كفر. وهذا من حيث العموم ومن حيث الخصوص، لا بد أن ينطبق ذلك الحكم المعين على الشخص المعين. فإن انطبق على ذلك الشخص المعين ذلك الحكم، فلا يكفر ذلك المعين إلا بعد أن تستوفى في حقه الشروط وتنتفي الموانع. ومن هذه الشروط شرط العلم، أي لا بد أن يكون عالما بالمخالفة. ومن الشروط المذكورة أن يكون بالغًا عاقلًا، وأن يكون قاصدا عامدا لذلك القول أو اللفظ، بمعنى أنه لم يصدر عنه على سبيل الخطأ، وإنما وقع منه عمدا وقصدا. وأن يكون مريدا مختارا، أي لم يكن مكرها. وفي مقابل هذه الشروط موانع، فمن الموانع الجهل، والجهل على قسمين: جهل يُعذر به، وجهل لا يُعذر به. فالجهل الذي يُعذر به هو الناتج عن عدم معرفة الحق وعدم القدرة على الوصول إليه. قال الشيخ رحمه الله تعالى: ومن الموانع أن يقع ما يوجب الكفر أو الفسق بغير إرادة منه، ولذلك صور منها أن يكره على ذلك فيفعله لداعي الإكراه لا اطمئنانا به. فلا يكفر إن بلغ به الإكراه مبلغه وصار من أهل الإكراه المرجوة. قال رحمه الله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنَّ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. قال العلماء رحمهم الله تعالى: إن الله عز وجل استثنى المكره في هذه الآية، ولكن بشروط، منها أن يكون الإكراه معتبرا، وأن يكون قلبه مطمئنا بالإيمان، وألا يشرح بالكفر صدرا. فمن توفرت فيه هذه الشروط لم يكفر، ومن اختل فيها شرط من الشروط كفر بالله العظيم. أشار الشيخ رحمه الله تعالى إلى معنى هذه الشروط في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، ومنها أن يغلق عليه فكره فلا يدري ما يقول، شدة فرح أو حزن أو خوف أو نحوه. ودليله ما ثبت في صحيح مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه، في قصة الرجل الذي قال: «اللهم أنت عبديعبدي وأنا ربك» أخطأ من شدة الفرح. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «فالصواب أن من اجتهد من أمة محمد صلى الله عليه وسلم وقصد الحق فأخطأ لم يكفر، بل يغفر له خطأه». ومن تبين له ما جاء به الرسول فشاق الرسول من بعد ما تبين له الهدى واتبع غير سبيل المؤمنين فهو كافر. ومن اتبعه هواه وقصر في طلب الحق وتكلم بلا علم وعاص مذنب، فهو عاص مذنب. قال الشيخ رحمه الله تعالى: وأني أقرر أن الله قد غفر لهذه الأمة خطأها، وذلك يعم الخطأ في المسائل الخبرية القولية والمسائل العملية. وما زال السلف يتنازعون في كثير من هذه المسائل، ولم يشهد أحد منهم على أحد لا بكفر ولا بفسق ولا بمعصية. قال رحمه الله تعالى: وكنت أبين أن ما نقل عن السلف إما من إطلاق القول بتكفير من يقول كذا وكذا، فهو أيضا حق، لكن يجب التفريق بين الإطلاق والتعيين. فالتكفير هو من باب الوعيد، فإنه وإن كان القول تكذيبا لما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم، لكن قد يكون الرجل حديث عهد بإسلام أو نشأ ببادية بعيدة. قال رحمه الله تعالى: وبهذا علم الفرق بين القول والقائل، وبين الفعل والفاعل. فليس كل قول أو فعل يكون فسقا أو كفرا من حيث العموم، يحكم على قائله أو فاعله بذلك من حيث الخصوص والتعيين. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «إن المقالة التي هي كفر بالكتاب والسنة والإجماع يقال هي كفر قولا يطلق، كما دلت على ذلك الجلائل الشرعية». فإن الإيمان من أحكام الله ورسوله، ليس ذلك مما يحكم فيه الناس بظنونهم وأهوائهم. قال رحمه الله تعالى: فعلى المؤمن أن يبني اعتقاده وعمله على كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فيجعلهما أمامه، يستضيء بنورهما ويسير على منهاجهما. فإن ذلك هو الصراط المستقيم الذي أمر الله تعالى به في قوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾. قال رحمه الله تعالى: وليحذر ما يسلك بعض الناس من كونه يبني اعتقاده أو عمله على مذهب معين، فإذا رأى نصوص الكتاب والسنة على خلافه حاول صرف هذه النصوص إلى ما يوافق ذلك المذهب على وجوه متعسفة. وهذه طريق من طرق أصحاب الهوى لاتباع الهدى. قال رحمه الله تعالى: والناظر في مسالك الناس في هذا الباب يرى العجب العجاب، ويعرف شدة افتقاره إلى اللجوء إلى ربه في سؤال الهداية والثبات على الحق والاستعاذة من الضلال والانحراف. ومن سأل الله تعالى بصدق وافتقار إليه، عالما بغنى ربه عنه وافتقاره هو إلى ربه، فهو حري أن يستجيب الله تعالى لو سؤاله. قال رحمه الله تعالى: فنسأل الله تعالى أن يجعلنا ممن رأى الحق حقا واتبعه، ورأى الباطل باطلا واجتنبه، وأن يجعلنا هداة مهتدين، وصلاحا مصلحين، وأن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، ويهب لنا منه رحمة إنه هو الوهاب. والحمد لله رب العالمين الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على نبي الرحمة وهادي الأمة إلى صراط العزيز الحميد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. قال رحمه الله تعالى: تم في يوم الخامس عشر من شهر شوال سنة ألف وأربعمائة وأربعة من الهجرة، بقلب مؤلف فقير إلى الله محمد بن صالح العثيمين.

شاركنا على