كتاب الصيام 3

الدرس في كتاب الصيام 3، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

اختلاف العلماء في تقدير مسافة السفر

استعرض المقطع أقوال الفقهاء في تحديد مسافة السفر المبيحة للفطر والقصر، فاشترط الشافعية والحنابلة أربعة برد (نحو 80 كم) بينما ذهب الحنفية إلى مسيرة ثلاثة أيام. واختار شيخ الإسلام ابن تيمية أن العبرة بالعرف، فما سمّاه الناس سفراً وتزودوا له فهو سفر يباح فيه الفطر والقصر.

ضوابط السفر المشروع وحكم صيام المسافر

يُعرّف السفر شرعاً بالعرف أو بالمسافة المقدرة بـ 84 كيلومتراً مع توفر نية السفر، فلا يُعد مسافراً من خرج بغير نية كالباحث عن ضالة. ويجوز للمسافر الفطر والصوم جميعاً، والأفضل الفطر لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أولئك العصاة» لمن صام في رمضان سفراً، والصيام في السفر صحيح ومجزئ عند الجمهور.

أحكام صيام المسافر في رمضان وختام الدرس

أوضح المقطع أن الأصل في صيام المسافر الجواز مع أفضلية الفطر عند المشقة، ومن لا يجد مشقة فالأفضل له الصوم، كما ناقش صحة صيام غير رمضان في رمضان أثناء السفر وحكم من سافر بعد الإمساك. واختتم الدرس بالتأكيد على أن الأفضل والاحتياط أن يفطر المسلم إذا خرج من بلده، وهو قول أكثر أهل العلم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: فالإمام الرجمي رحمه الله، نسأل عند الشافعي وابن عمر وابن عباس: لا يجوز للمسافر أن يفطر في رمضان إلا في السفر الطويل، وهو الذي يقصر فيه الصلاة، وبه قال الناصر والزيدية. وعند الثوري وأبي حنيفة: لا يجوز له الفطر في أقل من مسيرة ثلاثة أيام، وبه قال ابن عمر في رواية. وعند سائر الزيدية: إن وجب عليه القصر جاز له الإفطار. وعند بعض الناس: يجوز له الإفطار في السفر القصير. هذه المسألة، مسألة المسافر، لا شك أن المسافر قد عذره الله ورخص له في الفطر، كما قال جل وعلا: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. لكن هنا: ما هو السفر الذي يقصر فيه، أو الذي يفطر فيه؟ هل كل سفر؟ وهناك من العلماء من يفرق بين السفر القصير والسفر الطويل. أنا يعتبره سفر، يعتبرون هناك سفرًا لكنه لا يفطر فيه الصائم، ولا تقصر فيه الصلاة، ولا تقصر فيه الصلاة. وهناك من العلماء من لم يفرق بين سفر وسفر، واعتبر الأمر إما سفر وإما إقامة، إما أن يكون الإنسان مقيمًا وإما أن يكون مسافرًا. وإذا نظرت إلى أصل المسألة تجد أن الخلاف فيها كما يقولون خلاف لفظي فقط، وإلا الواقع نفس المسألة. هناك بعض الأماكن تكون قريبة فلا تسمى سفرًا أصلًا، لكن هناك من العلماء من اعتبرها سفرًا قصيرًا. مثلا على سبيل المثال: من يذهب من الشحر إلى المكلة، فالغالب أنه ليس بسفر، لكنه خروج من بلد إلى بلد، فعند الظاهرية وابن حزم أن هذا يسمى سفرًا أيضًا، عنده: الخروج من بلد إلى بلد يعتبر سفرًا ولو ميلًا واحدًا. أنا أقول: أكثر من الميل يعتبر سفر الميل، وعن كيلو نصف أو كيلو ستة من عشر، أنا بالكيلوهات، أنا عنده لو خرج مثلا من طيبة إلى الشحر يعتبر سفرًا، وهذا قول غير صحيح ولم يقل به أحد من السلف. وإن كان هو ذكرت أول بعض أقوال في المسألة، لكن صحيح أنه أن أقل ما جاء في الحديث ما جاء في حديث أنس: أنه ثلاثة فراسخ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قصر الصلاة في ثلاثة فراسخ. وثلاثة الفراسخ: الفرسخ الواحد يعتبر أربعة أميال، الفرسخ الواحد يعتبر أربعة أميال. معنى ثلاثة فراسخ: اثنا عشر ميلًا. ستة عشر ميلًا؟ والميل كما عرفت أنه كيلو وستة من عشر، فستة عشر ميلًا ما قل تأتي بعشرين كيلو أو كذا. معنى: إذا مشى الإنسان عشرين كيلو يقصر. لكن المشهور عند العلماء، عند الشافعي وأحمد، وجاء عن عبد الله بن عمر وابن عباس: أنه إذا خرج أربعة برد، وجاء حديث مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم لكنه لا يصح: إذا خرج أربعة برد. والبريد الواحد يعتبر ثلاثة فراسخ، البريد الواحد يعتبر ثلاثة فراسخ، فأربعة برد: معنى اثني عشر فرسخًا، والفرسخ كما قلنا يعتبر أربعة أميال، معنى ثماني وأربعين ميلًا. ثماني وأربعين ميلًا تأتي بالكيلوهات: قرب الثمانين أو نحوها، نحو الثمانين كيلو. وهذا على أقل الجمهور في المسافة. معنى: ما كان دون هذه المسافة لا يعتبر سفرًا عنده، أو بعضهم يسميه سفرًا قصيرًا لا تقصر فيه الصلاة، ولا يرخص فيه للصائم الفطر. وما كان أكثر من ثمانين كيلو، وبعضهم يحدده بأربعة وثمانين، فإنه تقصر فيه الصلاة ويفطر فيه الصائم. وهذا عند الشافعي، وكذلك عند أحمد في المشهور عنه، فإنه لا يفطر إلا في السفر الطويل، وأما السفر القصير أو دون مسافة القصر فلا يفطر فيه الصائم، ولا أيضًا يرخص للقصر. فهذه المسألة، والصحيح كما قال شيخ الإسلام وغيره: أن السفر ما سماه الناس سفرًا، فليس هناك سفر طويل ولا قصير. السفر ما سماه الناس سفرًا، فتزودوا له وأخذوا زادًا، وأخذوا أيضًا ما يكون لهم حاجة فيه من الثياب وغيره، فهذا يسمى سفرًا في عرف الناس. وهذا أيضًا قول الظاهرية: على أن كل ما سُمّي خروجًا سُمّي سفرًا، لكنهم يرون أن كل خروج من بلد إلى بلد يعتبر سفرًا. وشيخ الإسلام وابن القيم وغيرهما يقولون: أن السفر ما عُرف في العرف أنه سفر، أنه يتزود الناس له في حاجاتهم وأطعامهم، فهذا يعتبر سفرًا. وهذا قول صحيح. لكن أحيانًا في الواقع لا تجد أنه يصعب تقويمه، أحيانًا في الواقع يصعب تقويمه، ولهذا إذا صعب التقويم رجع إلى قول الجمهور بالمسافة، نرجع إلى قول الجمهور بالمسافة: أي 84 كيلو ونحوها، فما زاد على ذلك فهو يعتبر سفرًا، أو ما كان 84 من فوق يعتبر سفرًا، وما دون ذلك فلا يعتبر سفرًا. فالسفر الذي تقصر فيه الصلاة ويفطر فيه الصائم هو السفر، أو هذا الذي يسمى سفرًا، وليس كل خروج، وليس كل خروج. ولهذا أحيانًا بعض الخروج حتى ولو كان جاء إلى نفس المسافة أو أكثر، إذا لم يكن ينوي الشخص الخروج إلى ذلك المكان فإنه لا يعد مسافرًا. مثلا، وهذا ذكر بعضهم إجماعًا فيه: مثلا إنسان يخرج لطلب بعير له، فهو يبحث عن هذا البعير، يبحث يبحث، فما درى إلا وقد قطع شوطًا أو مسافة مائة كيلو. فهل نقول له: أنت الآن في مسافة قصر؟ لا، لأنه لم ينو السفر، وإنما جاء به إلى هذه المسافة البحث عن هذا الحيوان. أو أحيانًا أيضًا ما يحصل من بعض الصيادين، مثلا: تجده يكون مع صيد يبحث خلفه، أو يذهب خلف الصيد، فيخرجه ذلك الصيد إلى أماكن بعيدة أكثر من مائة كيلو. فهذا لا يعد مسافة، لأنه لم يقصد هذه المسافة، لم يقصد هذه المسافة. أما من قصدها، مثلا: تحرك من البر وهو يريد أن يذهب إلى مثلا مائة ميل، أو خمسين ميلًا وهو ما يقارب مائة كيلو، لأن الميل البحري... الميل البحري يكون بالميل يعتبر كيلوين، الميل البحري الميل الواحد يعتبر كيلوين، والميل البري يعتبر الكيلو واحد والستة من عشر. فلهذا قد مثلا ينوي أنه يذهب مسافة خمسين ميلًا، هذه المسافة تعتبر مسافة قصر، فهنا له أن يقصر. وبعض أهل العلم يقول: إن كان لا يعده الناس سفرًا فليس بسفر، وإنما هو مكان عمل، فالأولى والأحوط هو الإتمام. لكن كما قلنا: المتفق عليه من المسألة أنه لو خرج لأجل البحث عن صيد، أو البحث عن حيوان، أو بحث مثلا، أو ضاع الطريق، خرج من بلده وهو لا يعرف الطريق أو أول مرة يمشي في هذه الطريق فضاع، فمشى إلى هذه المسافة، فهنا لا يقصر لأنه لم يقصد تلك المسافة. فخلاصة هذه المسألة الآن: فما كان ما سُمّي سفرًا، يجوز فيه الفطر، يجوز فيه الفطر، لما جاء في الترخيص للمسافر أن يفطر. قال: مسألة: عند الشافعي وابن عباس وأنس وأبي سعيد وسائر الصحابة: يصح صوم المسافر. وعند أبي هريرة وداود وأهل الظاهر والشيعة من الإمامية: لا يصح صومه. وعند سعيد بن جبير وابن عمر: يكره الصوم في السفر. وعند ابن عمر أيضًا: إن صام في السفر قضاه في الحضر، وبه قالت الإمامية أيضًا. وعند ابن عمر: صائم في السفر كالمفطر في الحضر. وهذا هو الصحيح: الصائم في السفر كالمفطر في الحضر. معناه: جائز له. وقد جاء في حديث أنس قال: كنا نسافر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمنا الصائم ومنا المفطر، ولا يعيب أحد على أحد. فالصوم والفطر جائز في السفر. لكن أيهما أفضل؟ فهنا الخلاف: أيهما أفضل، هل الصيام أم الفطر؟ أما أنه مسألة لا يصح الصوم كما تقول الظاهرية ونسب إلى أبي هريرة، لكنه لم يثبت، فإن هذا غير صحيح. عندهم: الفطر واجب. عند الظاهرية الفطر واجب، وهذا قول غير صحيح. بل قد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالفطر في السفر، كان في رمضان، بل قال: من لم يفطر، قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم: أولئك العصاة، أولئك العصاة. وهؤلاء الظاهرية أخذوا حديث: «ليس من البر الصيام في السفر»، وعمموه في الحكم على أنه لا يجوز الصيام ولا يصح في السفر، وهذا كلام غير صحيح، أخذ دليل وترك الأدلة الأخرى. والصحيح أنه يجوز أن يفطر الإنسان، وقد جاء أحاديث كثيرة في إفطار من كان مع النبي عليه الصلاة والسلام. بل النبي عليه الصلاة والسلام لما خرج من مكة حتى بلغ كراع الغميم، فأفطر عليه الصلاة والسلام، أفطر عليه الصلاة والسلام، وأفطر الناس معه. وهكذا حصل أيضًا أن النبي صلى الله عليه وسلم صام، كما في حديث أبي الدرداء قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم صائف، فليس أحد منا صائم إلا ما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن رواحة. فهذا يدل أيضًا على أنه يجوز أن يتحمل الشخص الصيام، ولو كان في حر شديد، لكن لا يكون هذا الصوم يضره، فإن كان يضره فإنه لا يجوز له. ولهذا لما ضرّ ذاك الرجل حتى أغمي عليه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما باله؟ قالوا: إنه صائم. فقال: «ليس من البر الصيام في السفر»، ليس من البر الصيام في السفر. فلهذا فالصحيح أن الأصل هو جواز الأمرين، وإن كان من ترجيح أيهما أفضل فالفطر أفضل، لكن يجوز له الصوم، يجوز له الصوم، وخاصة من يجد مشقة في القضاء، من يجد مشقة في القضاء فالأفضل له أن يصوم إذا لم يجد تلك المشقة في الصيام. قال: مثلا عند الشافعي وأنس وعثمان بن أبي العاص وحذيفة وعائشة ومالك وأبي حنيفة والثوري وابن المبارك وأكثر العلماء: أن المسافر إذا كان لا يجهده الصوم فالأفضل له الصوم، أنه إذا لم يجد مشقة. وعند سعيد بن المسيب وأحمد وإسحاق والأوزاعي وابن عمر وابن عباس: الفطر أفضل. والنبي عليه الصلاة والسلام صام، يدل على أنه إذا لم يجد مشقة فالأفضل الصيام. ومن أخذ بحديث الرخصة وهو حديث عبد الله بن عمر أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه»، فيقول أن الإفطار أفضل، أن الإفطار أفضل. وقال عمر بن عبد العزيز، وعند عمر بن عبد العزيز ومجاهد وقتادة: أفضلهما أيسرهما للمرء، واختاره ابن المنذر. وهذا قول صحيح، هذا قول أجمع للأدلة، أن معنى أفضلهما أيسرهما، أيسرهما للمرء، ما كان أيسر له فهو أفضل، حتى أنه يبعد عن التكلف. قال: عند الشافعي يؤثر الفقهاء: إذا صام المسافر في رمضان عن غير رمضان، كالنذر والكفارات والقضاء، لم يصح صومه، ولم يقع عن رمضان. أن إذا كان هو مسافر في رمضان، فقال: أعلي قضائي أصومه ولا أصوم رمضان؟ قالوا: لا يصح. وهذا هو قول جمهور العلم: أنه لا يصح صيام في رمضان في غير الشهر، في غير الشهر، لأن الله عز وجل أمر بصيام الشهر، فمن صام غيره ولو كان في سفر، فإنه صام شيئًا من الصيام في رمضان، وهذا ليس صحيحًا. قال: عند الشافعي: إذا دخل عليه شهر رمضان وهو مقيم، جاز له أن يسافر في أثنائه، ولا يتحتم عليه الصوم في سفره، بل هو بالخيار: إن شاء صام وإن شاء أفطر. وعند عبيد الله السلمي وسويد بن غفلة: يتحتم عليه الصوم بقية شهره. فعند من سافر في أثناء الشهر، سافر، معنى: جاءه سفر، مثلا عمرة، جاءه في وسط رمضان، أراد أن يذهب إلى العمرة، فهنا يقول بعض العلم: أنه لا يفطر، لا يجوز له أن يفطر. وبعضهم يقول: لا يتحتم عليه الصوم في سفره. وهذا قول الشافعي وأكثر، معنى: ليس واجبًا عليه أن يصوم بقية الشهر، أو أقصد: يصوم بقية الشهر، وإنما له الإفطار. وهذا قول جمهوره، هو الصحيح. ووجاع العبيد أنه يتحتم عليه الصوم، وهذا لا دليل عليه. وأيضًا مسألة أخرى: قال عند الشافعي وأبي حنيفة والأوزاعي وأكثر العلماء: إذا أصبح صائمًا في الحضر ثم سافر، لم يجز له أن يفطر. يعني: إذا أصبح صائمًا ثم سافر في الضحى أو بعد صلاة الظهر، سافر، هل يلزمه إتمام صومه أم له أن يفطر؟ قال عند هؤلاء: أنه لا يفطر، بل يظل صائمًا. وعند داود وإسحاق وأحمد في إحدى الروايتين والشعبي والحسن وعمر بن شرحبيل والمزني، أي صاحب الشافعي: يجوز له أن يفطر، واختاره ابن المنذر. حتى قال الحسن: إن شاء أفطر في بيته ثم خرج. وهذا قول، كما قلنا، لأنس، وهذا هو صحيح: أنه يجوز له أن يفطر، يجوز له أن يفطر. والأفضل والاحتياط أنه يفطر إذا خرج من بلده، وهو قول أكثر أهل العلم. طيب، إن شاء الله تعالى نكتفي بهذا، ونكمل في درس لاحق. ترجمة نانسي قنقر، نكتفي.